الشيخ محمد هادي معرفة

252

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

17 . تفسير القرطبيّ ( الجامع لأحكام القرآن ) هو أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الأنصاريّ الخزرجيّ ، الأندلسيّ القرطبيّ . . ( ت 671 ه . ) . كان من العلماء العارفين ، صاحب تصانيف ممتعة ، منها هذا التفسير الذي يُعَدّ من أمثل التفاسير وأجودها تصنيفا وترصيفا ، وجمعا للآراء والأقوال ، مع العناية البالغة باللغة والأدب والفقه والكلام . . وقد عدّه بعضهم - لذلك - في عداد التفاسير الفقهيّة . . ولعلّه نظرا لعنوان الكتاب . . أمّا المحتوى فهو على غرار التفاسير الأثريّة الجامعة . . وقد بذل المؤلّف فيه جهدا كبيرا وعناية فائقة ، يدلّان على عمق في البحث ومقدرة على فهم كتاب اللّه ، وإلمامه بعلوم الشريعة أُصولها وفروعها ، يتجلّى ذلك عند تعرّضه لمباني الأحكام المستنبطة من نصوص الكتاب ، حتّى ليكاد يستغني به القارئ عن دراسة كتب الفقه . . ثمّ استشهاده بكثير من النصوص الأدبيّة من لغة العرب وشعرها ونثرها ، ممّا يشهد له بطول باع وسعة آفاق . . وإن أخذ عليه بعض هنات ولعلّها يسيرة لا تحطّ من قدره ولا تغضّ من قيمته ، فإنّ الجواد قد يكبو ، والحسام قد ينبو ! وكان ذلك الذي فرط منه ، على خلاف ما اشترطه على نفسه في المقدّمة ، يقول فيها : « وشرطي في هذا الكتاب : إضافة الأقوال إلى قائليها ، والأحاديث إلى مصنّفيها ، فإنّ من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله . . فلا يبقى من لا خبرة له حائرا . . وأضرب عن كثير من قصص المفسّرين وأخبار المؤرّخين ، إلّا ما لا بدّ منه ولا غنى عنه للتبيين . . » . . « 1 » وقد خالف شرطه في كثير من الأحيان . . إذ ليس ممّا لا بدّ منه أو لا غنى عنه ، ما ينقله عن كعب الأحبار : « أنّ إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلّها ، فألقى في قلبه : أو تدري ما على ظهرك يا لوثيا « 2 » من الأمم والشجر والدوابّ والناس والجبال ! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع . . فهمّ لوثيا بفعل ذلك ؛ فبعث اللّه دابّة فدخلت في منخره ،

--> ( 1 ) - . الجامع لأحكام القرآن المقدّمة للقرطبيّ ، ج 1 ، ص 3 . ( 2 ) - . اسم ذلك الحوت بالعبريّة !